التعلم الإلكتروني .. شماعة المجتمع التربوي

تحاول كثير من الأمم إصلاح نظمها التربوية بهدف إعداد مواطنيها لعالم موجّه بالتقنية، و ما يتطلبه ذلك من مهارات مختلفة عن تلك التي خبرها الإنسان في عقود مضت .لهذا،  استقطبت الإصلاحات التربوية المعتمدة على  التقنية  (Technology – Based Educational Reforms) دعماً سياسياً ومالياً ضخماً في العديد من دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء.

تحاول هذه الإصلاحات إحداث  تحــــول ( جوهري )  في النموذج التربوي : من نموذج موجّه بوساطة المعلم ( أو المدرسة ) ومعتمد على الكتاب كمصدر وحيد للمعرفة، إلى نموذج موجّه بوساطة المتعلم ومعتمد على مصادر متعددة. وبعبارة أخرى، التحول من ثقافة الحفظ والتلقين إلى ثقافة  التفكير والممارسة ، أو من نموذج النقل(  Transmission Model) إلى النموذج التحويلي(  Transformative model) . في النموذج الأول، يأتي الطالب بالمعلومات التي سمعها من المعلم أو التي قرأها في الكتاب، أي أن الطالب يقدم إجابات أعدها الغير لأسئلة أعدها الغير أيضا. وعلى النقيض من ذلك، ، يتوقع من الطالب في النموذج التحويلي أن يذهب إلى ما وراء المعلومات المعطاة له، أي أن الطلاب يعملون على مشاريع أو مشكلات ويأتون بحلول فريدة تعبر عن شخصياتهم ومنهجياتهم في تصميمها .  وإذا كان التربويون عموماً يتفقون على ضرورة هذا التحول، إلا أن الجدل والاختلاف يرتكزان حول الكيفية التي ينبغي أن تستجيب بها مدرسة المستقبل لإحداث هذا التحول. التربويون (والتقنيون )، كل منهم يحاول رسم معالم صورة مدرسة المستقبل من منظوره الخاص. ومع ذلك، تركزت أغلب وجهات النظر حول الإصلاح التربوي عل استثمار معطيات التقنية المعلوماتية لإحداث التحول المنشود . هذا اتجاه إيجابي ومرغوب ولكنه غير كاف، وهو في الوقت نفسه اتجاه  غير مستغرب، فهو حدث يتكرر مع كل تقنية جديدة: الأفلام في الثلاثينات والأربعينات من القــرن الماضي، والتلفاز في الخمسينات والستينات من القرن نفسه، والفيديــــو في السبعينات، فالحواسيب الدقيقة في الثمانينات . الآن ونحن في خضم المحيط ألمعلوماتي، تظهر التوقعات مرة ثانية حول مستقبل التعليم.  فما أن بدأ فجر المعلوماتية ، حتى  تسابق التربويون  والتقنيون على اقتناء شبكاتها وأجهزتها وأدواتها، ظناً منهم في تبسيط غريب لظاهرة معقدة مثل التربية ، أنه بمجرد إدخال الحواسيب وشبكاتها إلى المدرسة، ستنحسر مشكلة التربية  بغضها وقضيضها، وأن فجراً تربوياً جديداً ومغايراً لكل أشكال التربية التي عرفها الإنسان يلوح في الأفق ،  حتى بدت تقنية الحواسيب والاتصالات عن بعد” الملك غير المتوج” في جهود الإصلاح التربوي على امتداد العالم الفسيح، وأصبح تقنيو الحواسيب والشبكات ومسوقوها  نجوماً لامعة في هذه الجهود. مع هذا كله، الذي يتغير في نظر الكاتب هو التقنية فقط، أما الفكر التربوي فيبقى تقليدياً في طرحه برغم مرارة وقسوة دروس الماضي البعيد والقريب الخاصة بدمج التقنية في التعليم. فالملاحظ أن التقنية دائماً ما تحتل الصدارة في التخطيط التربوي، على حساب المنظور الشامل للتغيير التربـــوي  ٍSystemic Change)) الذي يعني بجميع مكونات المشروع التربوي. إن تأسيس الإصلاح التربوي المعاصر على التقنية ليس خطأ بحـــد ذاته، ولكن الخطأ الذي يتكرر مع كل تقنية جديدة هو النظر إلى أن التقنية ( لوحدها) قادرة على إحداث التغيير المنشود ، في غياب التخطيط الاستراتيجي المنطلق من رؤية واضحة لمحّفزات التحول في النموذج التربوي، والمبادئ المشتقة من النظريات التربوية المعاصرة التي ينبغي أن تصمم نظم التعلم الإلكتروني والمناهج الرقمية في ضوءها. ولذا لا غرابة أن تصبح المدرسة ميداناً لتجارب مكلفة، القليل منها فقط كان له بعض التأثيرات الإيجابية، ولكنها تأثيرات لم تصل إلى جوهر المشروع التربوي  (التعلم الصفي )، ولذا، لم تكن قادرة على إحداث تحول ملموس في النموذج التربوي.

وكما تقول عالمة النفس جين هيلي في كتابها ” فشل الاتصال”  (Failure to Connect ,1998) بلغة ساخرة من المطالبين بتبني التقنية في التعليم دون بصر وبصيرة: ” الكل ركب القارب، فلماذا لا نركبه حتى وإن لم نعرف الجهة التي يأخذنا إليها”.

في السياق نفسه، يشير بعض التربويين (Merrienboer, et., al.,2004,p.13,21)،إلى إن العديد من تطبيقات التعلم الإلكتروني ذات جودة منخفضة من منظور أصول علم  التدريس، ومن  هذا  المنظور ، يعد التعلم الإلكتروني خطوة للوراء بدلاً من كونه خطوة للأمام، لأن التركيز في التخطيط التربوي غالباً ما يكون على التقنية في غياب  مبادئ علم التدريس. كما يشير آخرون إلى أن العديد من مشاريع التعلم الإلكتروني ليست أكثر من ” ضخ للمعلومات، وتصفحاً إلكترونياً، ومحاضرات تقليدية على الشبكة العنكبوتية ” Tan &   ) Hung,2002,p.48. Ritchie & Hoffman,1997, P.135). صحيح أن العروض الحاسوبية لمواد التعلم والتعليم أكثر تشويقاً وجذباً لانتباه المتعلم ، خصوصاً لأجيال عصر المعرفة  من المتعلمين الذين تتشكل حياتهم حالياً في بيئات إلكترونية، ولكن هذا التشويق وقتي لأنه ناتج عن كون هذه العروض جديدة عليهم وهو ما يعرف بأثر الجدة  Novelty) ) ، ولكن سرعان ما يزول هذا التأثير بعد تعودهم عليه. لهذا، فإن التقديم التقليدي لمادة التعلم  بوساطة التقنية لن يختلف عن التدريس التقليدي الحي، وستبقى معضلة الحفظ والتلقين، لأن المادة التي كان يقرؤها الطالب من كتاب أصبح يقرؤها الآن من شاشة الحاسوب.

المتفائلون بدور  التقنية  في التعليم يذهبون بعيداً في توقعاتهم . لويس بيرلمان في كتابه المثير للجدل: “تلاشي المدرسة”(School’s  Out, 1992) يجادل بأن:” المدارس اليوم قد ألت للزوال، وأن الطريق الوحيد لمواصلة المسيرة هو مسح النظام الحالي كلياً…بل أن المدارس بوضعها الراهن، تمثل عقبات بوجه التغييرات الضرورية”. هذا موقف متشدد ومفرط في التفاؤل. من ناحية أخرى، يؤكد المتشائمون بأنه على الرغم من استثمار مبالغ ضخمة في الحواسيب، إلا أنها ستنتهي  إلى دور جانبي في قاعة الدراسة، كما كان حال التلفاز التعليمي، وسيبقى التعليم المدرسي دون تغيير. هذا موقف متشدد ومغرق في التشاؤم.

الكاتب ليس مع الرأي الأول ولا الثاني، ولكنه في موقف وسط  بينهما، موقف يبارك فيه التربويون استثمار تقنية المعلومات والاتصال لنقل المدرسة من ثقافة التلقين  (وعسكرة) المدرسة وقاعات الدراسة إلى ثقافة التفكير والعمل في فريق، والتعلم الموجّه ذاتياً،والتعلم الايجابي..الخ. ولكن هذا الموقف الوسطي له استحقاقات  عديدة  في جوانب التنظيم والتخطيط والإدارة والسياسات وتفويض الصلاحيات وتصميم نظم التعليم والتعلم الحديثة التي تتطلب مهنية عالية من قبل تربويين لديهم فعلاً ما يقدمونه في مجال تطوير المناهج وأساليب التدريس انطلاقاً من الفكر التربوي المعاصر، وليس من اجتهادات شخصية أو أوراق تربوية صفراء تصلح لأرشفة التاريخ التربوي، ولكنها بالتأكيد غير ملائمة لعصر المعرفة ورأس المال الفكري. على المستوى المحلي، هذه  استحقاقات  يعتقد الكاتب أن لا النظام التربوي الإداري  الحالي لدينا ولا كثيراً ممن ينتسبون لمجالات التربية والتعليم قادرون على تلبيتها.

في هذا السياق، تشير القراءة الناقدة لما يدور في الساحة التربوية  المحلية حول تقنية المعلومات ومستقبل التعليم، وما يرتبط بذلك من توجهات نحو التعلم الإلكتروني، والتعلم عن بعد،  بأن المشكلة تكمن في التربويين أنفسهم. فالمتتبع للخطاب التربوي عموماً، يمكن أن يلحظ دونما  عناء اعتماده الكلي تقريباً على مدخل معلوماتي لمشكلة التربية و التغيير التربوي.  ورغم أن هذا المدخل يعد واحداً من المداخل المهمة  التي يبني عليها العديد من التربويين خطابهم  الإصلاحي أملاً نحو تعليم مختلف في المستقبل، إلا أننا لا نتفق معهم بأن هذا المدخل يعمل لوحده في توجيه التعليم وصياغته المستقبلية، بل أن الاقتصار على هذا المدخل لوحده ربما يحمل في طياته قدراً كبيراً من  الإخفاق، فهو من ناحية يكرس إستراتيجية إضافة التقنية(Adds on Strategy)، بدلاً من دمجها في صميم التعلم والتعليم والعمل المدرسي( إستراتيجية الدمج   Technology Integration ) وللتذكير فقط، سبق لوزارة التربية والتعليم في سبعينات القرن الماضي أن حاولت إدخال التقنية في المدارس ممثلة في أجهزة عرض الشرائح والأفلام الثابتة، ولكن بقي أغلب هذه الأجهزة في مخازن الوزارة ولم تستخدم. ولم يكن حظ الفيديو التعليمي أفضل، عندما وزعت أجهزة التلفاز والفيديو على المدارس قبل حوالي ثلاثة عقود من الزمن، فكان هو الأخر في غرف مغلقة يعلوه الغبار.   ومن ناحية أخرى، رغم أن مدرسة المستقبل هي بيئة تعلم غنية بالمصادر التقنية، وستكون التقنية محركاً أساسياً في عجلة التحول في النموذج التربوي ، إلا أن التقنية لوحدها لن تكون سبب التغير الاجتماعي المطلوب لنهضة حقيقية في التعلم المدرسي ما لم نغير افتراضاتنا حول التعلم وعلم التدريس ودور التقنيـــــــة. وبعبارة أخرى، يعتمد التحول في النموذج التربوي على دمج ثلاثة عوامل رئيسة تعمل حالياً على توجيه وتشكيل هذا النموذج بدرجات متفاوتة تبعاً لمدى اندماج هذه العوامل:

  • ظهور افتراضات جديدة حول التعلم.
  • ظهور تقنيات جديدة تختلف عما سبقها من تقنيات.
  • ظهور مهارات جديدة للعمل والحياة في عصر المعرفة تختلف عن المهارات التي سادت العصر الصناعي.

نعم تكمن  المشكلة في التربويين أنفسهم، لأن ما هو حاضر في أذهانهم غالباً هو العامل الثاني، وبدرجة أقل العامل الثالث، أما العامل الأول المرتبط بالتحول الكبير في الفكر التربوي والنظرية التربوية وما يترتب على ذلك من استحقاقات ترتبط بأساليب بناء خبرات التعلم ألإلكتروني واستراتيجيات دمج التقنية في التعليم، فمن النادر جداً ما تكون على جدول أعمال التربويين سواء أولئك  الذين يخططون لتطوير التعليم أو الذين ينفذونه في الميدان. أما التقنيون الذين غالباً ما يكونون في مقدمة فرق التخطيط لمشاريع تقنية التعليم والتعلم الإلكتروني سواء في التعليم العام أو التعليم الجامعي، فإنهم بالتأكيد بعيدون كل البعد عن النظرية التربوية التي توجّه (أو يجب أن توجّه) تلك المشاريع. ربما يمكن وصف كثير من هؤلاء بأنهم من فريق :” فاقد الشيء لا يعطيه” بالنسبة لاستحقاقات الصورة الشاملة  للتحول في النموذج التربوي. قد يقول الكثيرون ممن سيقرؤون هذا المقال أنه تنظير أو ترف أكاديمي ، ولذا،لا يصلح سوى للمساجلات الأكاديمية في قاعات الدراسة . ولكن التربويين الذين يقفون على أرضية صلبة في مجال الفكر التربوي المعاصر في الجانبين النظري  والتطبيقي، و المطلعون على مشاريع دمج التقنية في التعليم،  والخطط التقنية لتفعيل إستراتيجية الدمج في الدول المتقدمة، سيباركون ما ذهبنا إليه من أن الفكر التربوي المعاصر بكل ما يتضمنه من استحقاقات في الجانبين النظري والتطبيقي يأتي مقدماً على الجانب التقني. وبعبارة أخرى، الاستراتيجيات والمبادئ المشتقة من ذلك الفكر هي التي ينبغي أن توجّه إستراتيجيات وخطط دمج التقنية في التعليم وليس العكس،  وهذا يعني  صعوبة تصور حدوث المؤسسات التربوية  الإلكترونية للقرن الحادي والعشرين  بمجرد إضافة التقنية،  فهذا  سوف يزيد فقط من التكاليف ويهمش استخدام التقنية.  كذلك تؤيد العديد من التطبيقات المعاصرة في المجال ما ذهبنا إليه، أنظر على سبيل المثال لا الحصر: المدارس الذكية (Smart Schools,1996)،  لبيركن ( Perkin ) و الأدوات الذهنية (Mind Tools) لجوناسون   Jonassen,2000) ) ، والتمهين المعرفي لبيرمان  Berryman,1991)) ، ونماذج البيئات الغنية للتعلم النشط (  Grabinger,1996)، و التعليم في سياقات حقيقية  CTGV,1990))، وغيرها.

بناء على ما تقدم، يبدو للكاتب أن ما يجري حالياً من تزاحم نحو بوابات التعلم الإلكتروني في العديد من الدول ومن بينها مشاريع التعلم الإلكتروني في المملكة لأحداث التحول المرغوب المشار إليه سابقاً دون إعداد البيئة الحاضنة لهذا التحول وتوفير جميع استحقاقاته الضرورية ، ما هو إلا شماعة للمجتمع التربوي يهرب بمشكلاته المستعصية عبر  تلك البوابات الإلكترونية  إلى مشكلات جديدة. . باختصار، ما لم نفعّل العلاقة الوثيقة بين العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه، سيبقى تأثير التقنية على فاعلية وكفاءة النظام التعليمي هامشياً، مما يعني  كثيرا من الهدر ً المادي والمعنوي. أخيراً، نختم المقال بالمقولة الشهيرة لريتشارد كلارك في العام1983م : ” إن تقنيات التعليم والمعلومات هي قنوات لنقل التعليم، مثلها مثل العربات التي نستخدمها لنقل البقوليات  من محلات البقالة، الذي يؤثر بثقافتنا الغذائية هو محتوى هذه العربات والطريقة التي نستهلكه بها” ، وهذه  إشارة واضحة إلى محورية  العمليات والأساليب المتبعة في تصميم خبرات التعلم وتعليمها وتعلمها،  وهو ما يذكرنا بأهم وأول مبادئ علم الجودة الذي يقول: إن العمليات الجيدة مخرجاتها جيدة والعليات الرديئة مخرجاتها رديئة.

 

 

أ.د بدر عبدالله الصالح

صحيفة الرياض الالكترونية – الخميس 9 ذي القعدة 1427هـ – 30 نوفمبر 2006م – العدد 14038